السيد محمد الصدر
73
تاريخ الغيبة الصغرى
يدل على تأسيسه لمثل هذا المجتمع ، الروايتان المشار إليهما فيما سبق للأنباري والمازندراني . . وتنفيه سائر القرائن الأخرى من عقلية ونقلية على ما يأتي . ونود أن ندرس فيما يلي الخصائص العامة الفكرية والاجتماعية والعلمية والسياسية لهذا المجتمع النموذجي ، وما أنتجته هذه الخصائص فيه من مستوى من الرفاه والازدهار في الزراعة والتجارة . ولا يخفى اننا بعد أن نناقش في أصل ثبوت هاتين الروايتين وصحتهما ، فسوف لن تبقى لهذه الخصائص قيمة من وجهة نظر إسلامية موضوعية ، إلا باعتبارها صحيحة في نظر الراوي وبحسب فهمه الخاص . وإنما ندرسها الآن بصفتها ممثلة لوجهة نظر بعض المسلمين تجاه شكل المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية عامة والنظام المهدوي خاصة . وسننطلق بعد ذلك إلى تطبيقه على القواعد والأدلة الإسلامية الحقة . تتفق الروايتان : على أن هناك مدن كبيرة وكثيرة على ساحل البحر ، ربما كانت في بر إحدى القارات ، وربما كانت في جزائر ضخمة في أحد البحار . وتنص رواية المازندراني على أنه هو البحر الأبيض المتوسط . وإن هذه الجزائر هي السبب في تسميته بالبحر الأبيض لأنها محاطة بماء أبيض صاف كماء الفرات يختلف لونه عن لون سائر ماء البحر ، إذا وردت فيه سفن الكفار والمحاربين غرقت بقدرة اللّه تعالى وبركة الإمام المهدي عليه السلام . وتشكل هذه المجموعة رقعة مهمة من الأرض ، لان إحدى المدن تبعد عن الأخرى بمقدار مسير اثني عشر يوما أو خمسة عشر يوما ، بحرا أو برا ، بوسائط النقل التي كانت سائدة يومئذ في القرنين السادس والسابع الهجريين . وهي مسافة تكون بالتقريب مثل ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة في الحجاز أو بين البصرة وبغداد في العراق . وبالرغم من سعة هذه المساحة ، فإنها مليئة بالبساتين والقرى ، التي قد تصل إلى ألف ومائتي قرية لكل مدينة . ومعه يمكن تقدير سكانها بما لا يقل عن عشرة ملايين من البشر . فتكون بذلك دولة متوسطة الحجم ، يمكن أن